فخر الدين الرازي

77

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يقتضي حل الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات لأجل دفع الحاجة ، فهذا هو شبهة القوم ، واللّه تعالى أجاب عنه بحرف واحد ، وهو قوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس ، وهو من عمل إبليس ، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم صلى اللّه عليه وسلم عارض النص بالقياس ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * [ الأعراف : 12 ] [ ص : 76 ] واعلم أن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف ، فقالوا : لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة ، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس ، وذكر القفال رحمة اللّه عليه الفرق بين البابين ، فقال : من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات / الثوب مقابلا بالعشرين ، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما ، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير عوض ، أما إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال : إن غرضه هو الامهال في مدة الأجل ، لأن الامهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة ، فظهر الفرق بين الصورتين . المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه ، وأكله مع التحريم ، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من الكبائر . فإن قيل : مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا الربا . قلنا : إن قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا صريح في أن العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط ، وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية ، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس الأكل ، وذكرنا عليه وجوها من الدلائل ، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا ، ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته ، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال ، يقال : فلان يأكل مال اللّه قضما خصما ، أي يستحل التصرف فيه ، وإذا حملنا الأكل على الاستحلال ، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها ، فهذا ما يدل عليه لفظ الآية ، إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا ، لا على وعيد من يستحل هذا العقد . المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أنه لم لم يقل : إنما الربا مثل البيع ، وذلك لأن حل البيع متفق عليه ، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا ، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق ، فكان نظم الآية أن يقال : إنما الربا مثل البيع ، فما الحكمة في أن قلب هذه القضية ، فقال : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا . والجواب : أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز . أما قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ففيه مسائل : المسألة الأولى : يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار ، والمعنى أنهم قالوا : البيع مثل الربا ، ثم إنكم تقولون وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فكيف يعقل هذا ؟ يعنى أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعا للتفرقة بين المثلين ، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ